عمر بن ابراهيم رضوان
610
آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره
تفهمها إلا من لسان آخر . فأما هذه الألفاظ وما جرى مجراها ، فإنه قد كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلسانها بعض مخالطة لسائر الألسنة بتجارات وبرحلتي قريش ، وكسفر مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس إلى الشام ، وسفر عمر بن الخطاب وسفر عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد إلى أرض الحبشة وسفر الأعشى إلى الحيرة وصحبته لنصاراها مع كونه حجة في اللغة فعلقت العرب بهذا كله ألفاظا أعجمية ، غيرت بعضها بالنقص من حروفها ، وجرت إلى تخفيف ثقل العجمية ، واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الصحيح ، ووقع بها البيان ، وعلى هذا الحد نزل بها القرآن ، فإن جهلها عربي ما فلجهله الصريح بما في لغة غيره ، كما لم يعرف ابن عباس معنى « فاطر » إلى غير ذلك . فحقيقة العبارة عن هذه الألفاظ أنها في الأصل أعجمية ، لكن استعملتها العرب وعربتها فهي عربية من هذا الوجه . وما ذهب إليه « الطبري » من أن اللغتين اتفقتا في لفظه فذلك بعيد بل أحدهما أصل والأخرى فرع في الأكثر ، لأنا لا ندفع أيضا جواز الاتفاق قليلا شاذا ] « 1 » . والذي يرد مزاعم هؤلاء المستشرقين من أن العرب حافظوا على لغتهم بكل ما منحوا من براعة وقوة . وتتمثل هذه المحافظة بوسيلتين : 1 - بالمحافظة على العربية بحيث لا يتسرب لها ما هو بعيد عنها وأجنبي منها . 2 - بالمحافظة عليها بالعناية بمفرداتها والرجوع بها لأصل اشتقاقها . لذا لم يحتجوا بكلام إلا من سلم لسانه من اللحن والعجمة .
--> ( 1 ) المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز - لابن عطية الأندلسي 1 / 36 - 37 .